محمد سعيد رمضان البوطي
308
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
رابعا : ذهب الحنفية ، ما عدا زفر ، إلى أن الرجل إذا نذر ماله كله صدقة على المساكين ، لم يلزمه التصدق إلا بالأموال الزكوية فقط ، ولهم أدلة على ذلك ، لعلّ من جملتها ما أجاب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كعبا حينما قال له : « إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة للّه ورسوله ، فقد قال له : أمسك عليك بعض مالك » . والذين ذهبوا إلى أن كلّ ماله يصبح صدقة إذا نذره كله ، قالوا : إن قول كعب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس في حقيقته إنشاء لصيغة نذر ، ولكنه استشارة له عليه الصلاة والسلام ، فأخبره صلّى اللّه عليه وسلم أن بعض ذلك يجزيه « 115 » . ولعل هذا هو الأقرب في فهم سياق كلام كعب رضي اللّه عنه وجواب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم له . حج أبي بكر رضي اللّه عنه بالناس سنة تسع لما قفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عائدا من تبوك ، أراد الحج ، ثم قال : « إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » . فأرسل أبا بكر رضي اللّه عنه وأردفه بعليّ رضي اللّه عنه ، ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام ، ويعطيانهم مهلة للدخول في الإسلام أربعة أشهر ، ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال . روى البخاري في كتاب المغازي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه بعث في الحجة التي أمّره عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس : « لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان » . وروى محمد بن كعب القرظي وغيره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع من الهجرة ، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة ، فقرأها على الناس ، يؤجل المشركين - أي يمهلهم - أربعة أشهر يسيحون في الأرض ، فقرأها عليهم يوم عرفة ، أجّلهم عشرين من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وشهر ربيع الأول ، وعشرا من ربيع الآخر ، وقرأها عليهم في منازلهم وقال : « لا يحجّنّ بعد عامنا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان » . وروى الإمام أحمد عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : « كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة ، فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عهد فإن أجله أو مدته أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن اللّه بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك ، قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي » .
--> ( 115 ) راجع المبسوط للسرخسي : 12 / 93 ، وزاد المعاد لابن القيم : 3 / 23 ، وضوابط المصلحة للمؤلف : 244 و 84 م